المثقفون المصريون يؤكدون أهمية الدور الثقافي للأزهر الشريف

المثقفون المصريون يؤكدون أهمية الدور الثقافي للأزهر الشريف

يتفق العديد من المثقفين المصريين على أهمية الدور الثقافي للأزهر الشريف وضرورة دعم هذا الدور في العالم الإسلامي ككل فيما تتوالى نقاشات حول ظاهرة تورط بعض طلاب جامعة الأزهر في أعمال عنف وممارسات تخريب تتناقض مع الأبعاد الثقافية لهذا الصرح العلمي العريق وأفكار النخبة الأزهرية التي أسهمت بعمق في التكوين التاريخي لمصر الحديثة و”المظلة الثقافية للجماعة الوطنية المصرية”.
وفيما بات الأزهر الشريف في بؤرة اهتمام المصريين الذين يتطلعون لغد أفضل وفي قلب الجدل المتعلق بأعمال العنف فإن ثمة حاجة لتأمل الدور الثقافي للأزهر واستعادة “صفحات جميلة كتبها الأزهر في الحياة الثقافية المصرية”.
ونظرة لقائمة المجد المرصعة بأسماء الآباء الثقافيين المصريين تكشف فورا عن أن الكثير منهم انتموا للأزهر الشريف مثل رفاعة الطهطاوي ومحمد عبده وعلي عبد الرازق ومصطفى عبد الرازق وخالد محمد خالد ومحمد متولي الشعراوي وصولا للأمام الأكبر شيخ الجامع الأزهر السادس والأربعين الدكتور احمد الطيب.
ومن هنا فمن المثير للتأمل الآن أن يقول الدكتور جابر نصار رئيس جامعة القاهرة إنه مع بداية العام الجديد سيمنع قبول طلاب الأزهر بكلية دار العلوم، معتبرا أن هذا كان “خطأ تاريخيا لأنه بمثابة تفريخ للتطرف” بجامعة القاهرة.
فمن المثير للأسف والأسى حقا أن يتورط طلاب من جامعة الأزهر في أعمال عنف وتخريب دخيلة على روح وثقافة هذا الصرح العلمي الشامخ فيما تتوالى أنباء عن تحقيقات مع المتورطين في هذه الممارسات مثل قطع الطرق وحرق ستارة كانت تغطي النصب التذكاري بميدان رابعة العدوية ناهيك عن الاشتراك في تظاهرات بدون ترخيص قانوني.
وفيما لا يعرف المتورطون في أعمال التخريب من المنتسبين لهذه الجامعة مدى عراقتها الثقافية وشموخها التاريخي وتأثيرها في العالم الإسلامي قاطبة توالت في الآونة الأخيرة دعوات مثقفين وكتاب مصريين مثل مكرم محمد أحمد والدكتور أسامة الغزالي حرب لقيام الأزهر الشريف بحملة لممارسات جماعة “بوكو حرام” في نيجيريا باعتبارها من الجماعات التي تسيء بتطرفها وعنفها لحقيقة الإسلام.
وقال الدكتور أسامة الغزالي حرب المعلق والكاتب الصحفي في جريدة الأهرام: “إنني أعتقد أن في مقدمة أسباب ازدهار تلك الجماعات خفوت الدعوة الإسلامية المعتدلة والمتوازنة التي كان يمثلها الأزهر الشريف والتي ينبغي أن تعود اليوم بكل قوة”.
ولفت إلى أن رسالة الأزهر لم تكن أبدا خاصة بمصر وإنما امتدت بإشعاعها طوال تاريخه إلى العالم الإسلامي كله من المغرب الى اندونيسيا معتبرا انه “كلما خفت صوت الأزهر وكلما غاب علماؤه كلما علت اصوات تلك التنظيمات الشاذة” في العالم الاسلامي وفي القلب منه مصر نفسها.
وقال الدكتور عباس شومان وكيل مشيخة الأزهر الشريف ان الأزهر منذ اكثر من الف سنة “ينشر الفكر الوسطي المعتدل الذي لاشطط فيه” موضحا ان “الأزهر يحرص دائما ان ينأى بنفسه عن السياسة ولكنه يتفاعل مع الشأن السياسي تفاعلا شرعيا فيحرم القتل والارهاب والظلم والاعتداء” فيما “ينحاز لرغبة الشعب ومصلحة الوطن”.
تجديد خطاب الأزهر:
ولعل الأمر يتطلب “تجديد الخطاب الثقافي للأزهر” في سياقات العولمة وصولا لانتاج معرفي ازهري يسهم بقوة في التغيير الايجابي المنشود على امتداد العالم الاسلامي بقدر مايبدد الالتباسات الخطرة و”تقبيح العقل” والتصورات المشوهة التي تنتجها جماعات متطرفة لاراقة الدماء الغالية دون وازع من دين او ضمير.
وذهب الشاعر الكبير احمد عبد المعطي حجازي مؤخرا الى ان قيام الأزهر بعملية مراجعة فكرية هو “من صميم التزامه الديني” منوها بأن “الأزهر بالنسبة لنا رائد وامام فقيامه بهذه المراجعة يحفزنا لمراجعة انفسنا في ضوء ماتعلمناه من تجاربنا الماضية”.
واوضح ان المقصود “الوصول لحلول نابعة من الاسلام نستطيع بها التغلب على المشكلات التي تواجهنا الآن” فيما رأت الكاتبة ليلى الراعي في صحيفة الأهرام ان “الأزهر احد اهم تجليات الثقافة المصرية واحد عناصر القوى الناعمة التي تعطي لمصر وزنا استراتيجيا ” معيدة للأذهان انه كلما زاد اللغط واختلطت الأمور و”صار كل من هب ودب يأتي الينا بفتوى ما” يتساءل الناس “اين الأزهر؟ مارأي الأزهر”؟.
ولفت عبد المعطي حجازي الى البون الشاسع بين الأفكار المستنيرة للامام محمد عبده ومايفعله سدنة الجماعة التي اختارت العداء للشعب المصري “وهو شر مستطير ومن هنا اصبح على الأزهر ان يقول كلمته لينقذ العالم من هذا الشر وينقذنا منه”.
وبينما يؤكد مثقفون مصريون ومن بينهم الشاعر والاعلامي الرائد فاروق شوشة على ان عودة مصر الى دورها الحقيقي ترتبط بأن يكون التعليم فيها مبادرا وخلاقا وملبيا لاحتياجات العصر ومنفتحا على افق ثقافي رحب يتكيء على اجمل مافي تراثنا من كنوز وأروع مافي زماننا من تطلعات فان ملف التعليم في المعاهد الأزهرية “يشكل البنية الأساسية لتكوين الشخصية الأزهرية التي تتولى الدعوة والتدريس”.
ومن نافلة القول ان للأزهر دوره الكبير في الحفاظ على جمال اللغة العربية فيما عرف الكثير من رجالاته بخبرات لغوية وابداعية وادبية وثقافية ثمينة حقا والقدرة على الربط بين اللغة والحياة ببيان اللسان وبلاغة الأقلام.
ونظرة لكتاب “ايام مجاور” وهو كتاب اقرب لسيرة ذاتية للكاتب سليمان فياض اثناء مرحلة الصبا وتلقي العلم بالأزهر تكشف عن مدى اهمية الدور الثقافي للأزهر في الحياة المصرية وشخصيات ملهمة في هذا المجال مثل الشيخ عبد الرحمن تاج والشيخ احمد الشرباصي الذي دل تلميذه الصغير في المعهد الأزهري بالزقازيق على مجلات الرسالة والثقافة والهلال وغيرها من المطبوعات التي كانت تثري الثقافة المصرية والعربية.
وهذا الكتاب المشوق حقا يتناول ضمن ماتناوله عبر صفحاته ال259 الصراع داخل المعاهد الأزهرية بين اتجاه تقليدي يركز على الحفظ والاستظهار واخر يروم الفهم والابتكار وهو الاتجاه الذي يدعو له سليمان فياض.
وبعد سنوات وسنوات من انتهاء حياته الدراسية في هذا المعهد الأزهري لاينسى سليمان فياض كتابا درسه في الصف الأول الثانوي وهو كتاب “الآحاديث النووية” ويقول :”كان به اربعون حديثا بديعا لاأظن حتى اليوم ان هناك احاديث تضاهي معظمها جمالا وحكمة وقصصا ومحبة للعلم وبناء للضمير الخلقي”.
ومن الطريف والدال ان الكاتب اليساري الراحل احمد عباس صالح تحدث بحنين وايجابية في سيرته الذاتية المعنونة “عمر في العاصفة” عن فترة من حياته عمل بها كموظف بالآزهر الشريف ممتدحا الدور الثقافي للأزهر وخاصة على صعيد العلاقات مع دول العالم الاسلامي.
دور الأزهر الثقافي
وعندما يحين الوقت للكتابة بتوثيق دقيق حول دور الأزهر في الحياة الثقافية المصرية والعربية ستكون هناك حاجة لوقفة امام آباء ثقافيين مروا بالأزهر دون اتمام تعليمهم الأزهري لسبب او لآخر مثل الصحفي الكبير الشيخ علي يوسف والأديب مصطفى لطفي المنفلوطي او قرروا مواصلة الحياة الأكاديمية في جامعات مدنية مثل عميد الآدب العربي الدكتور طه حسين.
وكذلك ثمة حاجة لتأمل ذلك التنافس غير الخفي بين خريجي الأزهر وخريجي دار العلوم وآثار هذا التنافس في الحياة الثقافية ومايعرف “بالعصبية اللغوية” لأنصار كل فريق وهي عصبية لم تكن تخلو من نواحي فكاهية ومناوشات قلمية .
وفيما قال وزير الأوقاف الدكتور محمد مختار جمعة في احتفال “بيت العائلة” الذي اقيم امس الأول “السبت” بالمبنى الجديد للمنطقة الأزهرية في سوهاج ان التسامح سمة الحضارة عبر التاريخ مؤكدا على اهمية دور علماء الأزهر “لكشف زيف المنحرفين وعدم تمكينهم من اعتلاء المنابر” وطالب بضرورة تفعيل الأنشطة الثقافية للنشء والشباب جنبا الى جنب مع الأنشطة المدرسية والرياضية فان الدور الثقافي للأوقاف لابد وان يتكامل وينسجم مع الدور الثقافي للأزهر الشريف.
ومنذ مطلع القرن العشرين كان هناك الكثير من الأدباء في “ديوان الأوقاف” مثل محمد المويلحي كاتب “مصباح الشرق” و”عيسى بن هشام” واحمد الأزهري صاحب مجلة الأزهر وعبد العزيز البشري ابن “شيخ الاسلام” اي شيخ الجامع الأزهر.
وقد توقف المفكر المصري الراحل عباس محمود العقاد في سياق تناوله لشخصية الأديب محمد المويلحي صاحب العمل الشهير “عيسى بن هشام” عند ديوان الأوقاف ودور هذا الديوان الذي تحول فيما بعد الى وزارة في الحياة الأدبية والثقافية بمصر في النصف الأول من القرن العشرين.
ويقول العقاد في هذا السياق: لقيت محمد المويلحي لأول مرة في ديوان الأوقاف وهو يومئذ مدير قسم الادارة ويتبعه تحرير مجلس الديوان الأعلى ومجلسه الآخر الذي كان يسمى بالمجلس الاداري وهو يومئذ ندوة المنشئين والمترجمين والأدباء والمحررين” ومن بينهم شخصيات في وزن وقامة عبد العزيز البشري وعبد الحليم المصري والشاعرين المجيدين علي دسوقي ومحمود عماد.
واذا كان اديب نوبل المصري نجيب محفوظ قد عمل لفترة في وزارة الأوقاف وكانت هذه الفترة بشخصياتها تشكل مددا لابداعاته الروائية فان عباس محمود العقاد عرف طريقه ايضا للعمل بديوان الأوقاف وقال :”كانت كتابتي الأدبية-السياسية طريقي الى وظائف الديوان” بعد ان علم الأديب محمد المويلحي انه يعيش بالقليل مما يرده من اهله وبالقليل من اجور المقالات او فصول الكتب المترجمة فشجعه على التقدم بطلب للوظيفة في الديوان.
ومن طرائف مايحكيه العقاد عن هذه الفترة في حياته بديوان الأوقاف ذلك الخلاف الذي طال بين “انصار العرف الديواني وانصار الابتكار والتجديد في اساليب الموظفين حيث كان من المألوف بعد اقرار اي مذكرة ان تذيل بكلمات :محول على مجلس الادارة او محول على المجلس الأعلى”.
وخطر لأديب من ادباء السكرتارية-كما يقول العقاد-ان يخرج على هذه الوتيرة حبا للتصرف الذي يليق بأمثاله وانفة من التقليد الذي يلتزمه الموظف العتيق فذيل المذكرات المعروضة على الجلسة كلها بعبارة “محال على المجلس” ولم يذكر صفته اكتفاء بعنوان الديباجة.
واحتكم المختلفون الى المدير محمد المويلحي فكانت احدى الفتاوى التي ظهر فيها صاحب “عيسى بن هشام” من وراء “صاحب العزة المدير” وقال المويلحي :”الحق انني لاأرى صيغة التحويل الا اذا ذكرت محطة باب الحديد ومحولجي الرصيف ولابأس بصيغة محال بدلا من صيغة التحويل ولكن يخشى اذا قيل “محال على المجلس” ان يفهم المجلس انها مستحيلة عليه وتبتعد هذه الشبهة اذا قيل “محال اليه”.
ثم سأل المويلحي :”ولماذا لايكتب اسم المجلس الذي تحال اليه” فقال صاحب التعديل “لأنه معروف من ديباجة العنوان” فحكمت النكتة حكمها على صاحب “عيسى بن هشام” وقال للأديب المتحذلق:”وهل تكتب على ظرف الجواب “ملحق بما تقدم بدلا من العنوان السابق فيما تقدم من الجوابات”؟!!.
وربما تكشف هذه الملاحظة الديوانية عن “محمد المويلحي صاحب عيسى بن هشام قبل صاحب العزة المدير” وذوقه في اجتناب مايتحرى اجتنابه من الكلمات المطروقة و” كما لاحظ العقاد بحق فانك لاتقلب صفحتين من “حديث عيسى بن هشام” الا لمست فيها هواه من ابناء البلد وسخريته بل استجهاله واستحماقه لنفخة الذوات من الطبقة الأخرى.
وهو في الوقت ذاته لايعفي ابناء البلد من دعابته وغمزه ولكنه يداعبهم ويغمزهم كما يفعل ابناء الأسرة الواحدة في مناوشات الدار بغير زراية ولانقمة وعلى غير هذا النحو كان منحاه اذا كتب عن الآخرين.
وسيظل كتاب “حديث عيسى بن هشام” نموذجا يقتدي به من يطلب التجديد ويتعلم الابتداء به على نهجه القويم فهو مثال من النقد الاجتماعي يضارع ابلغ المثل في الآداب الأوروبية المعاصرة كما رأى العقاد حينئذ منوها بأن المؤلف والمدير في ديوان الأوقاف لم يقطع كتابه هذا مبتورا من جذوره بموطنه ليغرسه غريبا بين مواطن الضاد على غير منبته.
بل تناول محمد المويلحي جذور المقامة العربية فأقام عمله الابداعي عليها واحسن تناولها واقامتها لفظا ومعنى فاذا بها مقامة يرتضيها بديع الزمان ومنهج من النقد العصري “يرتضيه سويفت ولى هنت وهايني وأناتول فرانس”.
ولعل النظرة المعاصرة لمحمد المويلحي بكتاباته ونكاته اللاذعة وسخريته الواسعة تستنتج ماينبغي استنتاجه حول اهمية الدور الثقافي للأزهر والأوقاف في الحياة المصرية والعربية على وجه العموم ناهيك عن تأمل شخصية ثقافية في حجم الأستاذ الامام محمد عبده الذي كان موضع نقمة شديدة من الخديو عباس الثاني لمعارضته اياه في سياسته بشأن الأزهر وديوان الأوقاف.
وواقع الحال ان التاريخ الثقافي للأزهر والأزهريين واهتمام المصريين بمواقف الأزهر في اللحظات الفارقة امر يكاد يكشف بجلاء عن حقيقة ان المصريين لايمكن ان يخاصموا هويتهم وينسوا تدينهم بقدر ماهم يرفضون التطرف لأنه يجافي الوسطية التي تعد سمة اصيلة من سمات الحياة المصرية واحتفال المصري بالحياة رغم كل المنغصات واي منغصات وكروب.
فالأزهر وعلى رأسه شيخه الجليل الدكتور احمد الطيب بثقافته الواسعة وذوقه الصوفي مكون اساسي في قوة مصر الناعمة, وماكان للأزهر بحكم تاريخه ودوره الا ان ينحاز لثورة الثلاثين من يونيو 2013 لأنها ثورة شعب..ثورة ضد الظلم والاستحواذ وتفكيك الوطن والاساءة للعقيدة..ثورة شعب يفتح باب النهار ليرى افقا لايعكره الظلام.